فصل: الجناب الأجل والكهف الأظل الجليل المعظم والملاذ المفخم الأصيلي الملكي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 الجناب الأجل والكهف الأظل الجليل المعظم والملاذ المفخم الأصيلي الملكي

ملجأ الفقراء والأمراء ومحط رحال الفضلاء والكبراء شيخ العرب الأمير شرف الدولة همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيه بن سيبيه الهواري عظيم بلاد الصعيد ومن كان خيره وبره يعم القريب والبعيد وقد جمع فيه من الكمال ما ليس فيه لغيره مثال تنزل بحرم سعادته قوافل الأسفار وتلقى عنده عصى التسيار وأخباره غنية عن البيان مسطرة في صحف الإمكان منها أنه إذا نزل بساحته الوفـود والضيفـان تلاقهـم الخـدم وأنزلوهـم فـي أماكـن معـدة لأمثالهـم وأحضروا لهم الاحتياجات واللوازم من السكر وشمع العسل والأواني وغيـر ذلـك ثـم مرتـب الأطعمـة فـي الغـداء والعشـاء والفطـور فـي الصبـاح والمربيـات والحلـوى مـدى إقامتهم لمن يعرف ومنن لا يعرف‏.‏

فإن أقاموا على ذلك شهورًا لا يختل نظامهم ولا ينقص راتبهم وإلا قضوا أشغالهم على أتم مرادهم وزادهم إكرامًا وانصرفوا شاكرين وإن كان الوافد ممن يرتجي البر والإحسان أكرمه وأعطاه وبلغه أضعاف ما يترجاه‏.‏

ومن الناس من كان يذهب إليه في كل سنة ويرجع بكفايـة عامـة وهذا شأنه في كل من كان من الناس‏.‏

وأما إذا كان الوافد عليه من أهل الفضائل أو ذوي البيوت قابله بمزيد الاحترام وحياه بجزيل الأنعام وكان ينعم بالجواري والعبيد والسكر والغلـال والثمـر والسمـن والعسـل وإذا ورد عليـه إنسـان ورآه مـرة وغـاب عنـه سنيـن ثـم نظـره وخاطبه عرفه وتذكره ولا ينساه‏.‏

وحالـه فيمـا ذكـر مـن الضيفـان والوافديـن والمسترفديـن أمـر مستمـر علـى الـدوام لا ينقطـع أبـدًا‏.‏

وكـان الفراشـون والخـدم يهيئـون أمر الفطور من طلوع الفجر فلا يفرغون من ذلك إلى ضحوة النهار ثم يشرعون في أمر الغداء من الضحوة الكبرى إلى قريب العصر ثم يبتدئون في أمر العشاء وهكذا‏.‏

وعنده من الجواري والسراري والمماليك والعبيد شيء كير ويطلب في كل سنة دفتر الارقاء ويسأل عن مقدار من مات منهم فإن وجده خمسمائة أو أربعمائة استبـش وانشـرح وإن وجـده ثلاثمائـة أو اقـل أو نحـو ذلـك اغتـم وانقبـض خاطره ورأى أن ربما كانت في أعظم من ذلك وكان له برسم زراعة قصب السكر وشركة فقـط اثنـا عشـر ألـف ثـور وهـذا بخلـاف المعـد للحـرث ودراس الغلـال والسواقـي والطواحيـن والجواميس والأبقار الحلابة وغير ذلـك‏.‏

وأمـا شـون الغلـال وحواصـل السكـر والتمـر بأنواعـه والعجوة فشي لا يعد ولا يحد وكان الإنسان الغريب إذا رأى شون الغلال من البعد ظنها مزارع مرتفعـة لطول مكث الغلال وكثرتها فينزل عليها ماء المطر ويختلط بالتراب فتنبت وتصير خضرًا كأنهـا مزرعـة وكـان عنده من الأجناد والقواسة وأكثرهم من بقايا القاسمية انضموا إليه وانتسبوا له وهم عدة وافرة وتزوجوا وتوالدوا وتخلقوا بأخلاق تلك البلاد ولغاتهم وله دواوين وعدة كتبة من الأقباط والمستوفين والمحاسبين لا يبطل شغلهـم ولا حسابهـم ولا كتابتهـم ليـلًا ونهارًا ويجلس معهم حصة من الليل إلى الثلث الأخير بمجلسه الداخل يحاسب ويملي ويأمر بكتابة مراسيم ومكاتبات‏.‏

لا يعزب عن فكره شيء قل ولا جل ثم يدخل إلى الحريم فينام حصة لطيفة ثم يقوم إلى الصلاة‏.‏

وإذا جلس مجلسًا عامًا وضع بجانبه فنجانًا فيه قطنة وماء ورد فـإذا قـرب منـه بعـض الأجلاف وتحادثوا معه وانصرفوا مسح بتلك القطنة عينيه وشمها بأنفه حـذرًا مـن رائحتهـم وصنانهـم‏.‏

وكـان لـه صلـات وإغداقـات وغلـال يرسلهـا للعلماء وأرباب المظاهر بمصر في كل سنة‏.‏

وكان ظلًا ظليلًا بأرض مصر ولما ارتحل لزيارته شيخنا السيد محمـد مرتضى وعرف فضله أكرمه إكرامًا كثيرًا وأنعم عليه بغلال وسكر وجوار وعبيد وكذلك كـان فعلـه مـع أمثالـه مـن أهـل العلـم والمزايـا‏.‏

ولـم يـزل هـذا شأنـه حتـى ظهر أمر علي بك وحصل ما تقدم شرحه من وقائعه مع خشداشينه وذهابه إلى الصعيد وأعلموه بما أوقعه بهم علي بك فاغتـم علـى فقـد صالـح بـك غمـا شديـدًا‏.‏

وحملـه ذلـك علـى أن أشـار عليهـم بذهابهم إلى أسيوط وتملكهم إياها فإنها باب الصعيد فذهبوا إليها مع جملة المنفيين من مصر والمطرودين كما تقدم وأمدهـم شيـخ العـرب المترجـم حتـى ملكوهـا وأخرجـوا مـن كـان بهـا واستوحش منه لي بك بسبب ذلك وتابع إرسال التجاريد وقدر الله بخذلان القبالي ورجوعهم إلى قبلي على تلك الصورة فعنـد ذلـك علم همام أنه لم يبق مطلوبًا لهم سواه وخصوصًا مع ما وقع من فشل كبار الهوارة وأقاربه ونفاقهم عليه فلم يسعه إلى الارتحال من فرشوط وتركها بما فيها من الخيرات وذهب إلـى جهـة اسنـا فمات في ثامن شعبان من السنة ودفن في بلدة تسمى قموللة فقضى عليه بها رحمه الله‏.‏

وخلف من الأولاد الذكور ثلاثة وهم درويش وشاهين وعبد الكريم‏.‏

ولما مات انكسرت نفوس الأمراء ثم أن أكابر الهوارة قدموا ابنه درويشًا لكونه أكبر أخوته وأشاروا عليه بمقابلـة محمـد بـك ففعـل‏.‏

وأمـا الأمـراء فمنهـم مـن أخذ أمانًا من محمد بك وقابله وانضم إليه ومنهم من ذهب إلى ناحية درنه ونزل البحر وسافر إلى الشام والروم ومنهم من انزوى إلى الهوارة بالصعيد‏.‏

وحضر درويش صحبة محمد بك إلى مصر وقابل علي بك وأعطاه بلاد فرشوط ورجـع مكرمـًا إلـى بلـاده‏.‏

فلـم يحسـن السيـر ولـم يفلح وأول ما بدأ ي أحكامه أنه صار يقبض على خدم أبيه وأتباعه ويعاقبهم ويسلب أموالهم وقبض علـى رجـل يسمـى زعيتـر وكيـل البصـل المرتب لمطابخ أبيه فأخذ منه أموالًا عظيمة في عدة أيام على مرار أخذ منه في دفعة من الدفعات مـن جنـس الذهـب البندقـي أربعيـن ألفـًا وكذلـك مـن يصنـع البـرد للجـواري السـود والعبيد وذلك خلاف وكلاء الغلال والأقصاب والسكر والسمن والعسل والتمر والشمع والزيت والبـن والشركـاء فـي المـزارع‏.‏

ووصلـت أخبـاره بذلـك إلـى علـي بـك فعيـن عليـه أحمـد كتخـدا وسافر إليه بعدة من الأجناد والمماليك وطالبه بالأموال حتى قبض منه مقادير عظيمة ورجع بها إلى مخدومه واقتدى به بعد ذلك محمد بك في أيام إمارته وأخذ منه جملة وكذلك أتباعه من بعـده حتى أخرجوا ما في دورهم من المتاع والأواني والنحاس قناطير مقنطرة ثم تتبعوا الحفر لأجـل استخـراج الخبايـا حتـى هدمـوا الـدور والمجالـس ونبشوهـا وأخربوهـا وحضر درويش المذكـور بآخـرة إلـى مصـر جاليـًا عـن وطنـه ولم يزل بها حتى مات كآحاد الناس‏.‏

واستمر شاهين وعبد الكريم يزرعان بأرض الوقف أسوة المزارعين ويتعيشون حتى ماتا‏.‏

فأما شاهين فقتله مراد بك في سنة 1214 أيام الفرنسيس لأمور نقمها عليه وخلف ولدًا يدعى محمدًا‏.‏

وأما عبد الكريم فإنه مات على فراشه قريبًا من ذلك التاريخ وترك ولدًا يدعى همامًا دون البلوغ يوصف بالنجابة حسبما نقل إلينا من الأسفار‏.‏

وكاتبني وكاتبته في بعض المقتضيات ورأيت ابـن عمـه محمـد المذكـور حيـن أتـى إلى مصر بعد ذهاب الفرنسيس وتردد عندي مرارًا وسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين‏.‏

ومات الجناب الكبير والمقدام الشهير من سر بذكره الركبان وطار صيته بكل مكان الفارس الضرغام النجيب شيخ العرب سويلم بن حبيب منن أكابر عظماء مشايخ العـرب بالقليوبيـة ومسكنهـم دجـوة علـى شاطـي البحـر وهـو كبيـر نصـف سعـد مثـل أبيـه حبيب بن أحمد وليس لهم أصل مذكور في قبائل العرب وإنما اشتهروا بالفروسية والشجاعة‏.‏

وحبيب هذا أصله من شطـب قريبـة قريبـة مـن أسيـوط ولمـا مـات حبيـب خلف ولديه سالمًا وسويلمًا وكان سالم أكبر من أخيه وهو الذي تولى الرياسة بعد أبيه واشتهر بالفروسية وعظم أمره وطار صيته وكثرت جنـوده وفرسانـه ورجالـه وخيولـه وأطاعتـه جميـع المقـادم وكبار القبائل ونفذت كلمته فيهم وعظمـت صولته عليهم وامتثلوا أمره ونهيه ولا يفعلون شيئًا بدون إشارته ومشورته‏.‏

وصار له خفـارة البريـن الشرقـي والغربـي مـن ابتـداء بولـاق إلـى رشيـد ودميـاط‏.‏

وكـان هـو وفرسه مقومًا على انفـراده بألـف خيـال‏.‏

وكـان ظهـور حبيـب هذا في أوائل القرن‏.‏

واتفق له ولابنه سالم هذا وقائع وأمـور مـع اسمعيـل بـك ابـن ايـواظ وغيره لا بأس يذكر بعضها في ترجمته منها أن في سنة 1125 أرسـل حبيـب ولـده سالمـًا إلـى خيـول الأميـر اسمعيـل بـك ابـن ايـواظ وهجـم عليـاه بالمربـع وجم معافها وأذنابها وتركها وذهب ولم يأخذ منها شيئًا‏.‏

وذلك بإغراء بعـض النـاس مثـل قيطـاس بـك وخلافه‏.‏

وكانت الخيول بالغيط جهة القليوبية‏.‏

وحضر أميراخور وأخبر مخدومه فاغتاظ لذلك وعزم على الركوب عليه فلاطفه يوسف بك الجزار حتى سكن غيظه ثم أحضر حسنًا أبا دفية زعيم مصر سابقًا من القاسمية مشهور بالجشاعة وجعلوه قائمقام الأمانة فسافر بجبخانة ومدفعين وصحبته طوائل ورجال وأمره بأن يطلب شر حبيب وإن قدر على قتله فليفعل‏.‏

وكتـب مكاتبـات للنواحي بأن يكونوا مطيعين للمذكور فلم يزل حتى نزل في غيط برسيم عند ساقية خراب وعمل هناك متراسًا ووضع المدفعين وغطاهما بلباد وأقام رصد خيالة بالطريق وإذا بسالـم بـن حبيـب ركـب فـي عبيـده ورجاله متوجهين إلى الجزيرة فنزل بطريقه بغيط الأوسية فحضر الخيالة الرصد إلى الأمير حسن أبي دفية وأخبروه فركب برجاله وأبقى عند المدافع عشرة من السجمانية وأوصاهم بأنهم إذا انهزموا من القوم فإنهم يرمون بالمدفعين سواء ففعلوا ذلـك بعدمـا لاقاهـم ورمـى منهـم رجالًا ووقع منها أيضًا عند رمي المدافع والرصاص ثلاثة عشر خيـالًا وأخـذوا منهـم نحـو ستـة قلائـع‏.‏

ورجـع سالـم بـن حبيـب بمـن بقـي من طائفته إلى أبيه وعرفه بما وقع له مع الأمير حسن أبي دفية فأرسل إلى عرب الجزيرة فأحضر منهم فرسانًا كثيرة وكذلك من إقليم المنوفية وركب الجميع قاصدين مناوشته‏.‏

ووصلته أخبار ذلك فركب بمن معه وفعل كالأول وركب مبحرًا وانعطف عليهم وحاربهم فرمى منهم فرسانًا فانهزموا أمامه‏.‏

فوقف مكانه فرجعت عليه العرب والعبيد فانهزم أمامهم فرمحوا خلفه طمعًا منهم حتى وصل المدافـع فرموا بهم وأتبعوهم بطلق الرصاص فولوا هاربين وسقط من عرب الجزيرة وغيرها عدة فرسان‏.‏

وأخذوا منهم خيولًا وسلاحًا وحضرت نساؤهم ورفعوا القتلى ورجع سالم إلى أبيه وعرفـه بمـا جـرى عليهـم من حرقهم وقتل فرسانهم فأرسل حبيب إلى قيطاس بك يقول له‏:‏ إنك أغريتنا بابن إيواظ وتولد من ذلك أنه وجه علينا قائمقامه حرقنا بالنار وقتل منا أجاويد‏.‏

فأرسل إليه مكاتبة خطابـًا للقصاصيـن بمعاونتـه ومساعدتـه فحضـر إليـه منهـم عـدة فرسـان ضاربي نار وجمع إليه عربان الجزيرة وخيالة كثيرة من المنوفية وركب حبيب وأولاده وجموعه إلى جسر الناحية ونزل هناك وأرسل أولاده بخيول يطلبون شر أبي دفية‏.‏

وإذا ركب عليهم انهزمـوا أمامـه حتـى يصلـوا إلـى محـل رباطهـم بالجسـر ففعلـوا ذلك إلى أن وصلوا إلى الجسر فضربت القصاصة بنادقهم طلقًا واحدًا فرموا نحو ثلاثين جنديًا من الكبار والذي ما أصيب في بدنه أصيـب حصانـه وردت عليهـم الخيول وانهزم الأمير حسن أبو دفية بمن بقي معه إلى دار الأوسية فأخذت العرب الخيول الشاردة وعروا الغز ورموهم في مقطع من الجسر وأرسل العبيد أتوابًا لجراريـف وجرفوا عليهم التراب من غير غسل ولا تكفين‏.‏

ورجع إلى بلده وخلص ثأره وزيادة وحضـرت الأجنـاد إلـى مصـر وأخبروا الصنجق بما وقع لهم مع حبيب وأولاده فعزل الأمير حسن أبا دفيه من قائمقاميته وولى خلافه وأخذ فرمانًا بضرب حبيب وأولاده وركب عليهم من البر والبحر ووصلت النذيرة إلى حبيب فرمى مدافع أبي دفية البحر ووضع النحاس في أشناف وألقاها أيضًا في البحر‏.‏

وقيل أن حبيب قبل هذه الواقعة بأيام أحضر ستة قناديل وعمرها بعدما عاير فتائلها وزنها بالميزان عيارًا واحدًا وكتب على كل قنديل ورقة باسمه واسم أخيه وأولاده واسم ابن أيواظ وأسرجها دفعة واحد فانطفأ الذي باسمه أولًا ثم انطفأ قنديل ابـن إيـواظ ثـم قناديـل أخيـه وأولـاده شيئـًا بعـد شـيء‏.‏

فقـال‏:‏ أنـا أموت في دولة ابن أيواظ‏.‏

ولما وصل إليـه الخبـر بحركـة ابـن أيـواظ وركوبـه عليه فركب بأخيه وأولاده وخرجوا هاربين ووصل ابن أيواظ إلى دجوة ورمحوا على دواويرهم ورموا الرصاص وكانت المراكب وصلت إلى البر الغربي تجاه دجـوة ورسـوا هناك وموعدهم سماع البنادق‏.‏

فعند ذلك عدوا إلى البر الشرقي وطلعوا إليه‏.‏

فأمـر ابـن أيـواظ بهـدم دواويـر الحابيبـة فهدموهـا بالقـزم والفؤوس وأنشأ كفرًا بعيدًا عن البحر بساقيه وحـوض دواب وجامـع وميضـأة وطاحونيـن وجمع أهل البلد فعمروا مساكنهم في الكفر وسموه كفر الغلبة‏.‏

ورجع الأمير اسمعيل إلى مصر وأخذ الغز والأجناد أبقارًا وعجولًا وأغنامًا وجواميش وأمتعة وفرشًا وأخشابًا شيئًا كثيـرًا ووسقـوه فـي المراكـب وحضـروا بـه مـن البـر أيضـًا إلـى مصر‏.‏

وكتب مكاتبات إلى سائر القبائل من العربان بتحذيرهم من قبولهم حبيبًا وأولاده وأن لا ينجمـع عليـه أحـد ولا يأويـه فلـم يسعهـم إلا أنهـم ذهبـوا عنـد عـرب غزة فأكرموهم ولم يزل بها حتى مـات وحضـر سالـم ابنـه بعـد ذلـك إلـى قليـوب ببيـت الشواربـي شيـخ الناحيـة سـرًا وأخذ له مكاتبة مـن إبراهيـم بـك أبـي شنـب خطابـًا إلـى ابـن وافـي المغربـي بـأن يوطـن أولـاد حبيـب عنـده حتـى يأخذ لهم إجازة من أستاذهم فأرسل أحضر عمه وأخاه سويلمًا وعدوا إلى الجبل الغربي وساروا عند ابن وافي شيخ المغاربة فرحب بهم وضرب لهم بيوت شعر وأقاموا بها إلى سنة 1130 فمات غبراهيم بك أبو شنب وكان يؤاسي أولاد حبيب ويرسل لهم وصولات بغلال يأخذونها مـن بلاده القبلية‏.‏

فلما مات في الفصل ضاقت معيشتهم فحضر سالم بن حبيب من عند ابن وافي خفية وذلك قبل طلوع ابن ايواظ بالحج سنة إحدى وثلاثين ودخل بيت السيد محمد دمرداش وسلم عليه وعرفه بنفسه فرحب به وشكا له حال غربته وبات عنده تلك الليلة وأخذه في الصباح إلى ابن ايواظ فدخل عليه وقبل يده ووقف فقال السيد محمد للصنجق‏:‏ عرفـت هـذا الـذي قبـل يدك‏.‏

قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ هذا الذي جم أذناب خيولك‏.‏

قال‏:‏ سالم‏.‏

قال‏:‏ لبيك‏.‏

قال‏:‏ أتيت بيتي ولم تخف قال له‏:‏ نعم أتيت بكفني إما أن تنتقم وإما أن تعفو فإننا ضقنـا مـن الغربـة وهـا أنـا بين يديك‏.‏

فقال له‏:‏ مرحبًا لك أحضر أهلك وعيالك وعمر في الكفر واتـق اللـه تعالـى وعليكـم الأمـان‏.‏

وأمـر لـه بكسـوة وشال وكتب له أمانًا وأرسل به عبده‏.‏

وركب سالم وذهـب عنـد إبراهيـم الشواربـي بقليـوب فأقـام عنـده حتـى وصـل العبـد بالأمـان إلـى عمـه وأخيـه في بنـي سويـف فحملـوا وركبـوا وسـاروا إلـى قليـوب ونزلـوا بـدار أوسيـة الكفـر حتـى بنـوا لهـم دواويـر وأماكن ومساكن وأتتهم العرنبية ومشايخ البلاد ومقادمها للسلام والهدايـا والتقـادم‏.‏

فأقـام علـى ذلـك حتـى تولـى محمـد بـك ابن اسمعيل بك أمير الحاج فأخذ منه إجازة بعمار البلد الذي على البحـر وشـرع فـي تعميـر الـدور العظيمـة والبساتين والسواقي والمعاصر والجوامع وذلك سنة 1134 واستقـام حـال سالـم وشاتهر ذكره وعظم صيته واستولى على خفارة البرين ونفذت كلمته بالبلاد البحريـة مـن بولـاق إلـى البغازين وصارت المراكب والرؤساء تحت حكمه وضرب عليها الضرائب والعوائـد الشهريـة والسنويـة وأنشـأ الدواويـر الواسعـة والبستـان الكبيـر بشاطـئ النيـل وكان عظيمًا جدًا وعليه عدة سواق وغرس به أصناف النخيل والأشجار المتنوعة فكانت ثماره وفاكهته وعنبه تجتنى بطول السنة وأحضر لها الخولة من الشام ورشيد وغير ذلك‏.‏

ولما وقعت الوقائع بين ذي الفقار بك ومحمد بك وجركس المتقدم ذكرها وحضر جركس بمن معه من اللموم إلى قرب المنشية وخرجت إليه عساكر مصر وأرسلوا إلى سالم بن حبيب فجمع العربان وحضر بفرسانه وعبيده إلى ناحية الشيمي وحارب مع الأجناد المصرية حتـى قتـل سليمان بك في المعركة وولى جركس ورجعت التجريدة وتبعه سالم بن حبيب والأسباهية وذهبـوا خلفـه فعـدى الشـرق فعـدوا خلفـه وطلعـت تجريـدة أخـرى مـن مصر فتلاقوا معهم وتحاربـوا مـع محمد بك جركس فكانت بينهم وقعة عظيمة فكانت الهزيمة على جركس وحصل ما حصل من وقوع جركس في الروبة وموته ودفنوه بناحية شرونه كما تقدم ورجع سالم بن حبيـب بما غنمه في تلك الوقائع إلى بلده واشتهر أمره واشترى السراري البيض ولم يزل حتى توفي سنة 1151 وخلف ولدًا يسمى عليًا اشتهر أيضًا بالفروسية والنجابة والشجاعة ولمـا مات سالم ترأس عوضه أخوه سويلم في مشيخة نصف سعد فسار بشهامة واشتهر ذكره وعظـم صيتـه فـي الإقليـم المصـري زيـادة عـن أخيـه سالـم ووسع الدواوير والمجالس ولما سافر الأمير عثمـان بـك الفقـاري بالحـج ورجـع سنـة إحـدى وخمسيـن المذكـورة فأرسـل هدية إلى سويلم المذكور وأرسل له الآخر التقادم ثم أن الأمير عثمان بك تغير خاطره على سويلم لسبب من الأسباب فركب عليه على حين غفلة ليلًا وتعالى به الدليـل ونـزل علـى دجـوة طلـوع الشمـس وكـان الجاسوس سبق إليهم وعرفهم بركوب الصنجق عليهم فخرجوا من الدور ووقفوا على ظهور خيولهم بالغيط بعيدًا عن البلد فلما حضر الصنجـق ورمـح علـى دورهـم ورمـى الطوائـف بالرصـاص فلـم يجـدوا أحـدًا‏.‏

فلم يتعرض لنهب شيء ومنع الغز والطوائف عن أخذ شيء وبلغ خبـر ركـوب الصنجـق عمر بك رضوان وإبراهيم بك فركبا خلفه حتى وصلا إليه وسلما عليه فعرفهما أنه لم يجدهم بالبلد فركب عمر بك وأخذ صحبته مملوكين فقط وسار نحو الغيط فرآهـم واقفيـن علـى ظهـور الخيـل فلما عاينوه وعرفوه نزلوا عن الخيل وسلموا عليه فقال لهم‏:‏ لأي شـيء تهربـون مـن أستاذكـم وعرفهم أنه أتى بقصد النزهة وأحضر صحبته علي بن سالم فقابل به الأمير وقبل يده ورجع إلى دواره وأحضر أشياء كثيرة من أنواع المآكل حتى اكتفى الجميع‏.‏

وعزمـوا عليهـم تلك الليلة فبات الصنجق وباقي الأمراء وذبح لهم أغنامًا كثيرة وعجلين جاموس وتعشى الجميع وأخرجوا لهم في الصباح شيئًا كثيرًا من أنواع الفطورات ثم قدم لهم خيولًا صافنات وركبوا ورجعوا إلى منازلهم ولما هرب إبراهيم بك قطامش في أيام محمد راغب باشـا وكـان سويلـم مركونـًا عليـه فجمـع سويلـم عرب بلي وضرب ناحية شبرا المعدية فوصل الخبر إلـى إبراهيـم جاويـش القازدغلي فأخذ فرمانًا بضرب ناحية دجوة والخروج من حق أولاد حبيب فعيـن عليهم ثلاثة صناجق فوزعوا دبشهم وحريمهم في البلاد وركبوا خيولهم ونزلوا في الغيط ونزلت لهم التجريدة ومعهم الجبخانة والمحاربون وهجموا على البلد فوجدوها خالية‏.‏

ولما رأى الحبايبة كثرة التجريدة فوسعوا وذهبوا إلى ناحية الجبل الشرقي وأرسل إبراهيم جاويش إلى عثمـان بـك أبـي سيـف أميـر التجريـدة بأنـه ينـادي في البلد عليهم ولم يدع أحدًا منهم ينزل الريف فركب عثمان بك وطاف بالبلاد يتجسس عليهم وظفر لهم بقومانية وذخيرة ذاهبة إليهم من الريف على الجمال فحجزها وأخذها وذلك مرتين ورجع عثمان بـك ومـن معـه إلـى مصـر وصحبتهم ما وجدوه للحبايبة في البلاد من مواش وسكر وعسل وأخشاب وهدموا جانبًا من بيوتهـم وكـان علـي بـن سالـم لـم يذهـب مـع سويلـم إلـى الجبـل بـل أخـذ عيالـه وذهب عند أولاد فودة فلمـا سمـع بالتقريـظ علـى أصحـاب الـدرك فأتـى إلـى مصـر ودخـل إلى بيت إبراهيم جاويش وعرفه بنفسـه وطلـب منـه الأمـان فعفـا عنـه بشرط أن لا يقرب دجوة ويسكن في أي بلد شاء يزرع مثل الناس ثم أن سويلمًا ومن معه أرسلوا إلى حسين بك الخشاب بأن يأخذ لهم أمانًا من إبراهيم جاويش ففعل وقبل شافعة حسين بك بشرط إبطال حماية المراكب وأذية بلاد الناس ويكفيهم الخفارة التي أخذوها بالقوة واستخلص لهم المواشي التي كان جمعها عثمان بك أبو سيف واستقر سويلم كمما كان بدجوة وبنى له دورًا عظيمة ومقاعد مرتفعة شاهقة في العلو يحمل سقوفها عدة أعمدة وعليها بوائك مقصورة ترى من مسافة بعيدة في البر والبحر وبها عدة مجالس ومخادع ولواوين وفسحات علوية وسفلية وجميعه مفروش بالبلاط الكدان وبنى بداخل ذلك الدوار مسجدًا ومصلى وبداخل حوش الدوار مساطب ومنايف لأجناس الناس الآفاقية وغيرهـم وبنى تحت ذلك الدوار بشاطئ النيل رصيفًا متينًا ومساطب يجلس عليها في بعض الأوقات وأنشأ عدة مراكب تسمى الخرجات ولها شرفات وقلوع عظيمة وعليها رجال غلاظ شداد فإذا مرت بهم سفينة صاعدة أو حادرة صرخ عليها أولئك الرجال قائلين البرفان امتثلوا واحضروا وأخذوا مننهم ما أحبوه من حمل السفينة وبضائع التجار وإن تلكئوا في حضـور قاطعوا عليهم بالخرجات في أسرع وقت وأحضرهم صاغرين وأخذوا منهم أضعاف ما كان يؤخذ منهم لو حضروا طائعين من أول الأمر وكان له قواعد وأغراض وركائز وأناس من الأمراء وأعوانهم بمصر يراسلهم ويهاديهم فيذبون عنه ولا يسمعون فيه شكوى ولـه عـدة مـن العبيـد السود التجارية الفرسان ملازمين له مع كل واحد حرمدان مقلديه ملآن بالدنانير الذهب وكان لا يبيت في داره ويأتي في الغالب بعد الثلث الأخير فيدخل إلى حريمه جصة ثم يخرج بعد الفجـر فيعمـل ديوانًا ويحضر بين يديه عدة من الكتبة ويتقدم إليه أرباب الحاجات ما بين مشايخ بلاد وأجناد وملتزمين وعرب وفلاحين وغير ذلك والجميع وقوف بين يديه والكتاب يكتبون الأوراق والمراسلات إلى النواحي وغالب بلاد القليوبية والشرقية تحـت حمايتـه وحمايـة أقاربـه وأولاده ولهم فيها الشركاء والزروع والدواوير الواسعة المعروفة بهم والمميزة عن غيرها بالعظم والضخامة ولا يقدر ملتزم ولا قائمقام على تنفيذ أمر مع فلاحيه إلا بإشارتـه أو بإشـارة مـن البلد في حمايته من أقاربه وكذلك مشايخ البلاد مع أستاذيهم وكان لهم طرائق وأوضاع في الملابـس والمطاعـم فيقـول النـاس سـرج حبايبـي وشـال حبايبي إلى غير ذلك وكان مع شدة مراسه وقوة بأسه يكرم الضيفان ويحب العلماء وأرباب الفضائل ويأنس بهم ويتكلم معهم في المسائل ويؤاسيهم ويهاديهم وخصوصًا أرباب المظاهر وكان إنسانًا حسنًا وجيهًا محتشمًا مقتصرًا على حالـه وشأنـه ملازمـًا علـى قـراءة الـأوراد والمذاكـرة ويحـب أهـل الفضـل والصلـاح ويتبـرك بهـم وبدعائهم وترددنا عليه وتردد إلينا بمصر كثيرًا وبلونا منه خيرًا وحسن عشرة وكان معه أخوه شيـخ العـرب محمـد علـي مثـل حالـه ويزيـد عنـه الانجمـاع عـن النـاس لغيـر ما يعنيه ويعانيه في خاصة نفسـه وكـان أبوهما على نزل بقليوب بدار فيحاء وكان حسن الخلق وله حشم وأتباع كثيرة وله هيبة عندهم وكان طيب السيرة فصيحًا مفوهًا في حفظه أشعار ونوادر ولديه معرفة وكان يفهم المعنى ويحقق الألفاظ ويطالع الكتب ومقامات الحريري ونحو ذلك‏.‏

ومات الأمير المبجل علي كتخدا مستحفظان الخربطلي وهو من مماليك أحمد كتخدا الخبرطلي الذي جدد جامع الفاكهاني الذب بخط العقادين وصرف عليه من ماله مائة كيس وذلك في سنة 1148 وأصله من بناء الفائز بالله الفاطمي وكان إتمامه في حادي عشر شوال من السنة المذكـورة وكان المباشر على عمارته عثمان جلبي شيخ طائفة العقادين الرومي وفي تلك السنة البس مملوكه المترجم على أوده باشه الضلمة وجعله ناظرًا ووصيًا ومات سيده في واقعة محمد بـك الدفتـردار فـي جملـة الأحـد عشـر أميـرًا المتقـدم بيانهـم وعمـل جاويـش فـي البـاب ثـم عمـل كتخدا واشتهر ذكره بعد انقضاء دولة عثمان بك الغفاري واستقلال إبراهيم كتخدا ورضوان كتخدا الجلفـي بإمـارة مصـر وزوج ابنتـه لعلـي بـك الغـزاوي وعمل لها فرحًا عظيمة ببركة الرطلي عدة أيام كانت من مقترحات مصر وبعد انقضاء أيام الفرح زفت العروس في زفة عظيمة اجتمع العالم من الرجال والنساء والصبيان للفرجة عليها ودخل بها علي بك المذكور وولد له منها حسن جلبي المشهور وأنشأ علي كتخدا المترجم داره العظيمة برأس عطفة خشقدم جهة الباطنيـة وداره المطلة على بركة الرطلي والقصر على الخليج الناصري والقباب المعروفة به وغير ذلك ونفـاه علـي بـك إلـى جهـة قبلـي كمـا تقـدم فلمـا ذهـب علـي بـك إلـى قبلي صالحه وانضوى إليه وكان هـو السفيـر بينـه وبيـن صالـح بـك الأسيوطي حتى أتموه على الوجه المتقدم وحضر صحبته علي بـك إلـى مصر وسكن بداره وأقبلت عليه الناس وقصدوه في الدعاوى والشكاوي وأمن جانب علـي بك واعتقد صداقته وظن أنه قلده منته فلم يلبث إلا أيامًا وأخرجه منفيًا إلى رشيد ثم أرسـل مـن خنقـه هنـاك وكـان أميـرًا جليـلًا وجيهـًا جميل الصورة واسع العينين أبيض اللحية ضخمًا مهاب الشكل بهي الطلعة ودفن هناك‏.‏

ومات الأمير محمد بك أبو شنب وهو من مماليك علي بك وقتل في معركة أسيوط كما تقدم ودفن هناك وكان من الشجعان المعروفين‏.‏

فيهـا ورد علـى علـي بـك الشريـف عبـد اللـه مـن أشـراف مكـة وكان من أمره أنه وقع بينه وبين ابن عمه الشريف أحمد أخي الشريف مساعد منازعة في إمارة مكة بعد وفاة الشريف مساعد فتغلب عليه الشريف أحمد واستقل بالإمارة وخرج الشريف عبد الله هاربًا وذهب إلى ملك الـروم واستنجـد به فكتب له مكاتبات لعلي بك بالمعونة والوصية والقيام معه وحضر إلى مصر بتلك المكتبات في السنة الماضية وكان علي بك مشتغلًا بتمهيد القطر المصري ووافق ذلك غرضـه الباطنـي وهـو طمعـه فـي الاستيـلاء علـى الممالك فأنزله في مكان وأكرمه ورتب له كفايته وأقـام بمصـر حتى تمم أغراضه بالقطر وخلص له قبلي وبحري وقتل من قتله وأخرج من أخرجه فالتفت عند ذلك إلى مقاصده البعيدة وأمر بتجهيز الذخائر والإقامات وعمل البقسماط الكثير حتـى ملـأوا منـه المخـازن ببولاق ومصر القديمة والقصور البرانية وبيوت الأمراء النمافي االخالية ثم عبوا ذلك وأرسل مع باقي الاحتياجات واللوازم من الدقيق والسمن والزيت والعسل والسكر والأجبان في البر والبحر واستكتب أصناف العساكر أتراكًا ومغاربة وشوامًا ومتاولة ودروزًا وحضارمـة ويمانيـة وسودانـًا وحبوشـًا ودلاة وغير ذلك وأرسل منهم طوائف في المقدمات والمشاة أنزلوه من القلزم في المراكب وصحبتهم الجبخانات والمدافع وآلات الحرب وخرجت التجريدة في شهر صفر بعد دخول الحجاج في تجمل زائد ومهيأ عظيم وساري عسكرها محمد بك أبو وفي ذ